ابن تيمية

40

مجموعة الرسائل والمسائل

بمعنى النفس ، وهذه العين ليس لها حدقة ولا أجفان ، وإنما هذا بمنزلة من قال نبعت العين وفاضت وشربنا منها واغتسلنا ، ووزنتها في الميزان فوجدتا عشرة مثاقيل وذهبها خالص ، وسبب هذا أنه كثيراً ما كان يتصرف في حروف بلا معان . الوجه الثالث : أنه تناقض من وجه آخر فإنه إذا كان العالم هو حدقة العين فينبغي أن يكون قد بقي من الله بقية الأعضاء غير العين ، فإذا قال في آخر كلامه : والله هو نور العين ، كان الله جزءاً من العين أو صفة له ، فقد جعل في أول كلامه العالم جزءاً من الله ، وفي آخر كلامه جعل الله جزء من العالم ، وكل من القولين كفر ، بل هذا أعظم من كفر الذين ذكرهم الله بقوله ( وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين ، أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ) فإذا كان الله كفر من جعل له من عباده جزءاً فكيف من جعل عباده تارة جزءاً منه تارة جعله هو جزءاً منهم ؟ فلعن الله أرباب هذه المقالات وانتصر لنفسه ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم . الوجه الرابع : إنه تناقض من جهة أخرى ، فإنه إذا قال العين : ما يتعين الله فيه ، والعالم كله حدقة عينه التي لا تنام ، فقد جعله متعيناً في جميع العالم ، فإذا قال بعدها وهو نور العين ، بقيت سائر أجزاء العين من الأجفان والأهداب والسواد والبياض لم يتعين فيها ، فقد جعله متعيناً فيها غير متعين فيها . الوجه الخامس : أن نور العين مفتقر إلى العين محتاج إليها لقيامه بها ، فإذا كان الله في العالم كالنور في العين وجب أن يكون محتاجاً إلى العالم . واعلم أن هذا القول يشبه قول الحلولية الذين يقولون هو في العالم كالماء في الصوفة وكالحياة في الجسم ونحو ذلك ، ويقولون هو بذاته في كل مكان ، وهذا قول قدماء الجهمية الذين كفرهم أئمة الإسلام . وحكى عن الجهم أنه كان يقول هو مثل هذا الهواء ، أو قال هو هذا الهواء . وقوله أولاً : هو حدقة عين الله ، يشبه قول الاتحادية فإن الاتحادية يقولون